يحيي بن حمزة العلوي اليمني
27
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
تردد ، ففيه نهاية الهدى ، وغاية الصلاح لأهل التقوى وهكذا قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ [ البقرة : 7 ] جاء بغير واو لما كان واردا على جهة التأكيد لقوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [ البقرة : 6 ] لأن كل من كان حاله إذا أنذر مثل حاله إذا لم ينذر فهو في غاية الجهل والعمى مختوما على قلبه مغشى على بصره وقوله تعالى : إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [ البقرة : 14 ] لأن قوله : قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ أي إنا غير تاركي اليهودية في التكذيب بالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فيكون قولهم : إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ( 14 ) مؤكدا لهذا المعنى بعينه ، ومن الواضح قوله تعالى ما هذا بَشَراً [ يوسف : 31 ] مع قوله إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ( 31 ) [ يوسف : 31 ] لأن الجملة الثانية واردة مورد التأكيد ، فإن كونه ملكا ينفى كونه من البشر ، ومن هذا قوله تعالى وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً [ لقمان : 7 ] فجرد التشبيهين عن العاطف ؛ لأنه مثّل حاله بعد التلاوة مثل حاله قبلها فقوله كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها مؤكد لما قبله وقوله كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً مؤكد لما قبله أيضا ، فلهذا جاءتا من غير عاطف . دقيقة قد يعرض للجملة التي من حقها أن تكون معطوفة على ما قبلها أمر يسوغ ترك الواو مع كونها أجنبية عن الأولى مثاله قوله تعالى إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ( 14 ) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة : 14 - 15 ] فالجملة الثانية إنما جاءت مجردة عن الواو لما كانت على تقدير سؤال ، كأنه قيل : هم أحقاء بالاستهزاء لأجل دخولهم في العناد وإغرابهم في التكذيب ، فمن يستهزئ بهم ، فقيل . الله يستهزئ بهم كما قال بعضهم « 1 » : زعم العواذل أنني في غمرة * صدقوا ولكن « 2 » غمرتى لا تنجلى فلما حكى عن العواذل ما زعموه وجرّ ذلك سؤال السامع له عن صدق ما زعموه ، أو كذبه ، فكأنه قيل له : فما تقول في ذلك ، فقال : أقول : صدقوا ، ولكن لا مطمع لهم في خلاصي مما أنا فيه .
--> ( 1 ) انظر المصباح / 59 ، والإيضاح / 157 بتحقيقنا ، وقدا أورده محمد بن علي الجرجاني في الإشارات ص 125 بلا عزو ، والطيبي في التبيان ص 142 بتحقيقنا ، وهو غير منسوب . الغمرة : الشدة . ( 2 ) في الأصل ( لكي ) ، الصواب : « لكن » ويدل عليه سياق الكلام بعده .